زكريا القزويني
198
آثار البلاد واخبار العباد
دير نهيا بالجيزة من أرض مصر . من أحسن الديارات وأنزهها وأطيبها موضعا وأجلها موقعا ، عامر بالرهبان ، وله في النيل منظر عجيب لأنّ الماء محيط به من جميع جهاته . فإذا انصرف الماء وزرعت أظهرت أنواع الأزهار وأصناف الأنوار ، فتشبه الديباج المنقش ، لا يريد الإنسان ان يفارقها ، وله خليج تجتمع فيه الطيور فهو متصيّد أيضا ؛ ولابن البصري فيه : أيا دير نهيا إن ذكرت فإنّني * أسعى إليك على الخيول السّبّق أو ما ترى وجه الرّبيع وقد زهت * أنواره بنهاره المتألّق ؟ وتجاوبت أطياره وتبسّمت * أشجاره من ثغر زهر مؤنق والبدر في وسط السّماء كأنّه * وجه مضيء في قناع أزرق وإذا سئلت عن الطّيور وصيدها * وجنوسها فاصدق وإن لم تصدق فالغرّ فالكروان فالفارور إذ * يشجيك في طيرانه المتحلّق أشهدت حرب الطّير في غيطانه * لمّا تجوّق منه كلّ مجوّق الرّصافة مدينة في البرية بقرب الرقّة . رأيتها لها سور محكم من الحجر المنحوت . أحدثها هشام بن عبد الملك لمّا وقع الطاعون بأرض الشام . ليس بها نهر ولا عين ، وآبارهم بعيدة العمق رشاؤها مائة وعشرون ذراعا وهي ملح . وشربهم من الصهاريج داخل المدينة ، وقد تفرغ الصهاريج في أثناء الصيف ، فيأخذون الماء من الفرات ، وبينهما أربعة فراسخ . ولبني خفاجة عليهم مال يؤدونه صاغرين . وصنعة أهلها عمل الأكسية والجوالق والمخالي ، منها تحمل إلى سائر البلاد . وكان هشام بن عبد الملك يفزع إليها من البقّ في شاطىء الفرات